مقال لـ حسن عبد الهادي حسن

 

هناك لحظات في المسرح لا يعود فيها العرض مجرد عرض، ولا تعود الخشبة مجرد مساحة هندسية تستقبل أجساد الممثلين، وإنما تتحول الخشبة إلى ما يشبه المرآة التي تقف أمامها حضارة كاملة لترى صورتها وهي تتشقق، ولعل الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 2026 قد أتاحت، من خلال عدد من التجارب العربية المشاركة، فرصة نادرة لكي نعيد النظر في سؤال يبدو قديمًا لكنه يعود إلينا الآن بقوة غير مسبوقة، ماذا بقي من الإنسان بعد أن نجحت الحضارة الحديثة في إحاطته بكل شيء تقريبًا، ماذا بقي منه بعد أن أصبحت الصورة أسرع من الذاكرة، والسلعة أقوى من الحاجة، والخوف أكثر حضورًا من الإيمان، والموت أكثر انتظامًا من الحياة، والجسد نفسه قابلًا لأن يتحول إلى شاشة وإعلان ومنتج وقناع، ومن بين التجارب العربية التي تستوقف الناقد في هذا السياق أربعة عروض جاءت من الأردن وتونس والسعودية والإمارات العربية المتحدة، هي «أنت منذ الأمس»، و«لا موضى»، و«الناعشون»، و«غياهب الروح»، أربعة عروض تختلف في موضوعاتها المباشرة وأشكالها الجمالية ومصادرها الأدبية وطرائقها الإخراجية، لكنها تلتقي، على نحو عميق يكاد يكون غير معلن، عند منطقة واحدة، منطقة الإنسان الذي يبحث عن شيء يتجاوز وجوده المادي، الإنسان الذي لم يعد يثق تمامًا في العالم الذي يراه بعينيه، فيعود إلى الذاكرة، وإلى الروح، وإلى المعتقد، وإلى الموت، وإلى الخوف، وإلى الحلم، وإلى الجسد نفسه باعتباره بابًا لاختراق ما وراء الجسد، وهنا تكمن قيمة هذه التجارب، فهي لا تقول إن الشرق روحاني والغرب مادي في ثنائية ساذجة لا تصمد أمام تاريخ الأفكار، لكنها تكشف عن حساسية ثقافية شرقية ترى أن الإنسان لا يمكن اختزاله في المادة وحدها، وأن وراء الجسد ذاكرة، ووراء الفعل معتقدًا، ووراء الصورة خوفًا، ووراء التاريخ جرحًا، ووراء الموت سؤالًا، ووراء الحياة معنى، ولذلك فإن الجسد في هذه العروض لا يظهر باعتباره مادة مكتملة بذاتها، وإنما باعتباره سطحًا تظهر عليه آثار ما هو غائب، فالجسد في «لا موضى» يتحول إلى مانيكان وإلى سلعة وإلى أداة في آلة الاستهلاك، لكنه في اللحظة نفسها يعلن احتجاجه على اختزاله، والجسد في «غياهب الروح» يخضع لسلطة الطقس والخرافة، لكنه يكشف من خلال خضوعه عن صراع روحي أعمق بين الحرية والخوف، والجسد في «الناعشون» يبدو كأنه ينتظر الموت حتى قبل أن يصل إليه، فيصبح الكفن ليس مجرد قطعة قماش وإنما صورة لفقدان المعنى، أما الجسد في «أنت منذ الأمس» فإنه يعود من الماضي محملًا بذاكرة الهزيمة، فيتحول الإنسان إلى كائن يسكنه التاريخ أكثر مما يسكنه الحاضر، ومن هنا أرى أن هذه العروض الأربعة يمكن قراءتها باعتبارها محاولة عربية معاصرة لاستعادة الإنسان من قبضة المادة، لا عبر إنكار المادة، وإنما عبر كشف عجزها عن تفسير الإنسان كله.

إذا استدعينا هنا بعض الأسئلة التي طرحتها الفلسفات الكبرى حول طبيعة الإنسان، فسوف نكتشف أن هذه العروض تتحرك في منطقة شديدة الخصوبة بين أفلاطون الذي جعل الجسد في توتر دائم مع الروح، وبين أرسطو الذي رأى الإنسان كائنًا حيًا لا يمكن فصل صورته عن مادته، وبين الفلسفات الروحية في الشرق التي لم تنظر إلى الجسد باعتباره سجنًا بالضرورة، وإنما باعتباره طريقًا إلى اكتشاف الذات، وبين التصورات الحديثة التي جعلت الجسد ميدانًا للسلطة والمراقبة والانضباط، وهو ما يجعل استدعاء ميشيل فوكو ضروريًا عند قراءة «لا موضى» تحديدًا، فالإنسان عند فوكو لا يعيش خارج أنظمة السلطة، بل تتسلل السلطة إلى جسده وحركته ونظرته إلى نفسه، وتحدد له كيف يجلس وكيف يتحرك وكيف يظهر وكيف يتكلم وكيف يرى ذاته، وفي «لا موضى» تتحول الموضة إلى أحد أكثر أشكال السلطة نعومة وخفاء، فهي لا تأتي إلى الإنسان في صورة السجان الذي يحمل عصاه، وإنما تأتيه في صورة اختيار شخصي، فيقال له إنك حر في اختيار ملابسك، وحر في اختيار صورتك، وحر في اختيار ذوقك، ثم يكتشف بعد ذلك أن اختياراته قد صُنعت له قبل أن يتخذها، وهذه المفارقة هي التي تجعل العرض التونسي أكثر من مجرد عرض عن الموضة، إنه عرض عن الإنسان الذي فقد القدرة على التمييز بين الرغبة التي تولد من داخله والرغبة التي زرعت فيه، وبين القرار الذي يتخذه والقرار الذي اتخذته المنظومة نيابة عنه، وهنا تصبح منصة عرض الأزياء، الكات ووك، منصة سلطة بالفعل، ويصبح الجسد العارض جسدًا سياسيًا حتى لو لم يرفع شعارًا سياسيًا واحدًا، لأن السلطة الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول لك ماذا تفعل، يكفيها أن تجعلك ترغب في فعل ما تريده هي، وهذا هو أخطر أشكال السيطرة، أن تتحول الطاعة إلى رغبة، وأن يتحول القيد إلى اختيار، وأن يتحول السجن إلى مساحة تبدو جميلة ومضيئة ومغرية.

ومن هنا يبدو أن «لا موضى» يلتقي مع «غياهب الروح» في نقطة قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة تمامًا عن عالم الأزياء، ففي العرضين هناك منظومة خفية تصنع الإنسان من الخارج ثم تقنعه بأن ما يفعله صادر عن داخله، في «لا موضى» تصنع الموضة الرغبة، وفي «غياهب الروح» يصنع المعتقد الخوف، وفي الحالتين يصبح الإنسان تابعًا لقوة لا يراها كاملة، الفرق فقط أن السلطة في العرض التونسي ترتدي ثياب الحداثة والإعلان والصورة والكاميرا، بينما ترتدي في العرض الإماراتي ثياب الأسطورة والطقس والخرافة، لكن النتيجة الإنسانية واحدة تقريبًا، إنسان يتنازل تدريجيًا عن استقلاله الداخلي حتى يصبح جزءًا من منظومة أكبر منه، وهنا يمكن أن نستعيد مفهوم «الهيمنة»، ليس بوصفها قهرًا مباشرًا، وإنما بوصفها قدرة النظام على جعل الناس يقبلون منظومة الأفكار التي تحكمهم حتى تبدو لهم طبيعية، وهذا بالضبط ما يجعل «غياهب الروح» أكثر إثارة مما قد يبدو في حكايته المباشرة، فالرحى الضخمة التي يضعها عبد الرحمن الملا في قلب الخشبة ليست مجرد عنصر سينوغرافي مستوحى من البيئة، وإنما يمكن قراءتها بوصفها آلة كونية لطحن الإنسان، وهي في الوقت نفسه رحى حقيقية ورمز للخرافة والسلطة والدائرة المغلقة التي يعجز الإنسان عن الخروج منها، وكلما دارت الرحى لم تكن تطحن الحبوب وحدها، وإنما كانت تطحن الوعي، والاختيار، والذاكرة، والخوف، وربما كانت تطحن أيضًا قدرة الإنسان على مقاومة ما ورثه عن الجماعة، ولهذا فإن أقوى ما في الصورة المسرحية هنا أن المخرج لا يقدم لنا الشر في صورة وحش خارجي يمكن هزيمته بسهولة، وإنما يقدمه بوصفه شيئًا استقر في داخل الإنسان نفسه، فالخرافة لا تعيش لأن هناك من يفرضها فقط، وإنما لأنها تجد في الخوف الإنساني تربة صالحة للحياة.

وإذا كان فوكو قد جعلنا ننتبه إلى السلطة التي تدخل الجسد وتجعله مطيعًا، فإن «غياهب الروح» يذهب أبعد من ذلك إلى السؤال عن السلطة التي تدخل الروح نفسها، وهذه منطقة فلسفية شديدة الحساسية، لأن السيطرة على الجسد يمكن مقاومتها بالجسد، أما السيطرة على المخيلة والذاكرة والمعتقد فهي أكثر تعقيدًا، فالإنسان قد يهرب من السجن لكنه يحمل السجن معه، وقد يتحرر من السجان لكنه يظل خائفًا من الباب الذي لم يعد موجودًا، ولذلك فإن عنوان «غياهب الروح» لا يحيل فقط إلى الظلام، وإنما إلى الطبقات التي لا نراها من الإنسان، إلى ذلك الجزء الغارق في داخله والذي يمكن أن يصبح مسرحًا للسيطرة، فالظلام هنا ليس غياب الضوء فقط، وإنما غياب القدرة على الرؤية، والرؤية في هذا السياق ليست بصرية وحدها، وإنما هي القدرة على إدراك الحقيقة، والقدرة على الشك، والقدرة على السؤال، والقدرة على رفض ما يبدو مسلمًا به، ومن هنا فإن المرأة التي تقاوم في العرض لا تبدو مجرد شخصية درامية تقف ضد الشر، وإنما تصبح صورة للوعي وهو يحاول أن يستعيد حقه في تسمية الأشياء، وهذا مهم جدًا، لأن الطغيان يبدأ غالبًا من اللحظة التي يفقد فيها الإنسان حقه في تعريف واقعه، حين يقال له إن ما يراه وهم، وإن ما يخافه حقيقة، وإن ما يريده خطيئة، وإن ما يرفضه قدر، وعندما تستولي السلطة على تعريف الواقع يصبح الخروج منها أكثر صعوبة.

أما «الناعشون» فيأخذنا إلى منطقة أخرى من هذه الرحلة الشرقية من المادة إلى المعنى، وهي منطقة الموت، لكن الموت في هذا العرض لا يظهر بوصفه نهاية بيولوجية، وإنما باعتباره حالة تسكن الحياة نفسها، وهنا يمكن أن نستعيد تأملات هايدغر حول الإنسان بوصفه كائنًا يتجه نحو الموت، فالموت عنده ليس حادثًا يقع في نهاية الطريق فحسب، وإنما حقيقة وجودية تسكن الإنسان منذ لحظة وجوده، غير أن «الناعشون» يحول هذه الفكرة الفلسفية إلى صورة جماعية أكثر قسوة، حيث يصبح الجميع تقريبًا حاملين لوعي الموت حتى قبل أن يصبحوا موتى، ويصبح الكفن علامة على انتظار المصير أكثر مما هو علامة على تحقق المصير، وهنا تكمن قوة العنوان نفسه، لأن «الناعشون» لا يعني فقط أولئك الذين يحملون النعوش، بل يفتح لغويًا على مفارقة مرعبة، من يحمل الموت ومن يحمله الموت، من يشيع من، وهل نحن الذين نحمل موتانا أم أننا نحمل في داخلنا موتًا اجتماعيًا وسياسيًا وروحيًا يجعلنا جميعًا في طريقنا إلى نعش رمزي لا نعرف متى نصل إليه، وقد بدا العرض في بنيته أكثر مباشرة من التجارب الأخرى، وربما كانت هذه المباشرة جزءًا من مشكلته الفنية، لأن الفكرة الكبيرة عندما تعلن عن نفسها منذ البداية تصبح في حاجة إلى تعقيد درامي يحررها من كونها مجرد رسالة، ومع ذلك فإن هذه المباشرة نفسها تكشف عن هاجس مركزي في المسرح العربي المعاصر، هاجس الإنسان الذي يشعر بأن حياته مهددة باستمرار من قوى لا يستطيع السيطرة عليها، الحرب، الوباء، الفقر، الاستبداد، انهيار القيم، اقتصاد القوة، وتحول الإنسان إلى رقم، وفي هذا المعنى فإن الموت في «الناعشون» ليس نقيض الحياة فقط، وإنما هو الوجه الآخر لعالم فقد القدرة على إنتاج الأمل.

وهنا نصل إلى «أنت منذ الأمس»، وربما كان هذا العرض هو الأكثر تعقيدًا في تعامله مع مفهوم الروح، لأنه لا يضعها في مواجهة المادة بصورة مباشرة، وإنما يجعلها تعيش داخل الذاكرة، فالروح هنا ليست كيانًا ميتافيزيقيًا منفصلًا عن التاريخ، وإنما هي ذاكرة الإنسان التي ترفض أن تموت، ومن خلال استعادة رواية تيسير سبول «أنت منذ اليوم» يعيد عبد السلام قبيلات فتح جرح عربي لم يغلق، جرح 1967، لا باعتباره ذكرى سياسية فحسب، وإنما باعتباره لحظة أعادت تشكيل الوعي العربي تجاه نفسه والعالم، وهنا يصبح تغيير العنوان من «أنت منذ اليوم» إلى «أنت منذ الأمس» أكثر من لعبة لغوية، إنه انقلاب في اتجاه الزمن، فاليوم الذي وعد الإنسان بالبداية الجديدة يتحول إلى أمس لا ينتهي، والماضي لا يعود بوصفه ماضيًا، وإنما يعود باعتباره قوة لا تزال تنتج الحاضر، وهذا قريب من التصور الفوكوي للتاريخ بوصفه ليس سلسلة من الأحداث المغلقة، وإنما شبكة من القوى التي تستمر آثارها في الحاضر، فالجرح التاريخي لا يختفي لأنه مضى زمنيًا، وما لم نفهم آليات إنتاجه فإنه يظل يعيد نفسه بأشكال جديدة، ومن هنا فإن «أنت منذ الأمس» لا يحاكم الماضي بقدر ما يحاكم علاقتنا به، هل نحن أسرى الذاكرة أم ورثتها، هل نعيد إنتاج الهزيمة لأننا لم نفهمها، أم لأننا حولناها إلى هوية، وهل يصبح تكرار الحديث عن الهزيمة شكلًا آخر من أشكال الاستسلام لها.

ولعل هذه النقطة تحديدًا تكشف جوهر الالتقاء بين العروض الأربعة، فكل عرض منها يضع الإنسان أمام قوة تتجاوز الفرد، لكن هذه القوة ليست واحدة، إنها التاريخ في «أنت منذ الأمس»، والسوق والصورة في «لا موضى»، والموت في «الناعشون»، والمعتقد والخوف في «غياهب الروح»، ومع ذلك فإن الإنسان في جميع هذه التجارب يعاني الأزمة نفسها، أزمة فقدان المركز الداخلي، إنه لا يعرف هل يتحرك بإرادته أم بإرادة التاريخ، هل يختار ملابسه أم تختارها الموضة، هل يعيش أم ينتظر موته، هل يؤمن لأن قلبه آمن أم لأنه خائف، وفي هذه النقطة تحديدًا تصبح هذه العروض الأربع أكثر عمقًا من موضوعاتها المباشرة، لأنها لا تسأل فقط ماذا يحدث للإنسان، وإنما تسأل من الذي يصنع الإنسان الذي نراه، ومن الذي يحدد له ذاكرته ورغباته وخوفه وصورته ومصيره.

ولذلك فإن الجسد، وهو المفردة المشتركة بين هذه العروض، لا يمكن فهمه بوصفه مجرد أداة تمثيلية، فالجسد في المسرح العربي التجريبي المعاصر بدأ يستعيد وظيفة قديمة جدًا، وظيفة الطقس، حين كان الجسد يؤدي فعلًا يتجاوز الحركة اليومية إلى معنى رمزي وروحي، وفي «غياهب الروح» يتحرك الجسد كما لو كان داخل طقس، وفي «لا موضى» يتحرك كما لو كان داخل آلة، وفي «الناعشون» يتحرك تحت ثقل الموت، وفي «أنت منذ الأمس» يتحرك تحت ثقل الذاكرة، وهكذا يتحول الجسد في العروض الأربعة إلى سجل مكتوب، لكنه سجل لا يستخدم الحروف، وإنما يستخدم السقوط والارتجاف والتكرار والمشي والتوقف والصمت والصراخ والرقص والتوازن والانهيار، وهذا يعيد المسرح إلى واحدة من أقدم وظائفه، أن يجعل المرئي حاملًا لما هو غير مرئي، وأن يجعل الحركة لغة للروح حين تعجز اللغة المنطوقة عن التعبير.

وفي تقديري أن هذه هي النقطة التي ينبغي عندها أن نعيد النظر في مفهوم «التجريب» نفسه، لأن التجريب ليس بالضرورة أن نضع شاشة فوق الخشبة أو نستخدم تقنية رقمية أو نكسر الجدار الرابع أو نستبدل الحوار بالحركة، فكل ذلك أدوات، أما التجريب الحقيقي فهو أن تتغير علاقتنا بما نعتقد أننا نعرفه، أن يصبح المتفرج مضطرًا إلى إعادة بناء المعنى بنفسه، وأن تتحول الخشبة من مكان يعرض إجابة إلى مكان ينتج سؤالًا، وفي هذا المعنى تبدو التجارب الأربع وكأنها تبحث عن لغة عربية معاصرة للروح، لكنها لا تعود إلى الروح بوصفها ماضيًا صوفيًا أو تراثًا مغلقًا، وإنما باعتبارها ضرورة إنسانية في مواجهة عالم يتضخم فيه حضور المادة إلى الحد الذي يهدد بابتلاع الإنسان نفسه، وهنا لا يصبح الشرق مجرد جغرافيا، وإنما يصبح طريقة في النظر إلى الإنسان، طريقة تقول إن ما لا يمكن قياسه قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا مما يمكن قياسه، وإن الذاكرة قد تكون أقوى من الحاضر، وإن الخوف قد يكون أكثر سلطة من السلاح، وإن الصورة قد تكون أكثر خطورة من الحقيقة، وإن الموت قد يبدأ قبل توقف القلب، وإن الجسد نفسه قد يتحول إلى ساحة معركة بين ما يريده الإنسان وما يُراد له أن يكون.

ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم لماذا لم يكن اهتمام هؤلاء المخرجين بالمادة اهتمامًا نهائيًا، حتى عندما جعلوها مركزًا للصورة، فالماكينة في «لا موضى» لا تتحدث عن الخياطة فقط، والرحى في «غياهب الروح» لا تطحن الحبوب فقط، والنعش في «الناعشون» لا يحيل إلى الموت الجسدي وحده، والأسرة والجسر والتابوت في «أنت منذ الأمس» لا تؤدي وظائف ديكورية فقط، كل شيء مادي على الخشبة يحمل في داخله شيئًا غير مادي، وكأن الأشياء في هذه العروض قد فقدت براءتها وتحولت إلى آثار للروح، وهذا تحديدًا ما يمنح المسرح العربي خصوصيته، فالمادة ليست نهاية المعنى، وإنما بدايته، والشيء ليس مجرد شيء، إنه ذاكرة، والديكور ليس مجرد ديكور، إنه تاريخ، والملابس ليست مجرد ملابس، إنها هوية، والرحى ليست مجرد رحى، إنها دورة العالم، والنعش ليس مجرد نعش، إنه سؤال عن معنى أن يعيش الإنسان وهو يعرف أنه سيموت، والجسر ليس مجرد جسر، إنه محاولة للوصل بين زمنين، وبين وطنين، وبين ذاتين، وبين ماضٍ لم ينتهِ وحاضر لم يبدأ بعد.

ولذلك أعتقد أن هذه العروض الأربعة، على اختلاف درجات نجاحها الفني وتفاوت قدرتها على إحكام بنيتها الدرامية، تقدم لنا في مجموعها ظاهرة تستحق التوقف أمامها، وهي أن المسرح العربي بدأ، في بعض تجاربه الأكثر جرأة، يهرب من وهم اللحاق بالحداثة الغربية إلى سؤال أكثر أهمية، كيف نكون معاصرين دون أن نفقد الطريقة الخاصة التي ننظر بها إلى الإنسان، وكيف نستفيد من التقنيات الجديدة دون أن نسمح لها بأن تحول الإنسان إلى تقنية، وكيف نستعمل الجسد دون أن نختزله في مادته، وكيف نستعيد التراث دون أن نحوله إلى متحف، وكيف نستحضر الروح دون أن نسقط في الوعظ، وهذه الأسئلة هي التي تجعل التجريب في هذه الأعمال تجربة فكرية قبل أن يكون تجربة شكلية.

إن الشرق الذي يظهر في هذه العروض ليس شرق السجاد والموسيقى الشعبية والرموز التراثية والطقوس القديمة، وإنما شرق أكثر عمقًا، شرق يعرف أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا فقد صلته بما لا يرى، وهذا «غير المرئي» قد يكون الله، وقد يكون الوطن، وقد يكون الذاكرة، وقد يكون الحب، وقد يكون الخوف، وقد يكون الموت، وقد يكون المعنى نفسه، ولهذا فإن الإنسان في هذه العروض لا يموت حين يفقد جسده فقط، بل يموت حين يفقد القدرة على السؤال، وحين يصبح ما يراه أمامه حقيقة وحيدة، وحين يقبل أن تكون رغباته مصنوعة له، وحين يتحول تاريخه إلى قدر، وحين يتحول خوفه إلى عقيدة، وحين يتحول جسده إلى سلعة، وحين يتحول موته إلى أمر طبيعي، وفي اللحظة التي يرفض فيها ذلك كله تبدأ إمكانية النجاة، وهنا تحديدًا يصبح المسرح فعل مقاومة روحية قبل أن يكون فعلًا جماليًا.

ومن هذه النقطة يمكن أن نصل ان تفكيك «أنت منذ الأمس» يوصلنا إلى وصفه مسرحًا للذاكرة والهزيمة، ثم الانتقال إلى «لا موضى» بوصفه مسرحًا للجسد المستهلك والصورة التي تراقب الإنسان، لنكتشف كيف يتحول الصراع بين الروح والمادة من فكرة فلسفية إلى لغة مسرحية تتحرك أمام أعيننا، وكيف يصبح الجسد نفسه، في التجربتين الأردنية والتونسية، المكان الذي تُكتب عليه الهزيمة والسلطة والرغبة والهوية.

الذاكرة حين تصبح ميدانًا للسلطة، والجسد حين يتحول إلى صورة

ليست الذاكرة في المسرح مجرد مستودع هادئ للصور القديمة، ولا هي ذلك الركن الداخلي الذي نلجأ إليه حين يعجز الحاضر عن منحنا تفسيرًا لما يحدث، فالذاكرة في معناها الأعمق ميدان للصراع على السلطة، لأن من يمتلك القدرة على تحديد ما ينبغي أن نتذكره وما ينبغي أن ننساه، ومن يملك حق تسمية الماضي وتفسيره وإعادة ترتيبه، يمتلك جزءًا بالغ الخطورة من سلطة الحاضر، ولهذا تبدو أعمال مثل «أنت منذ الأمس» وكأنها لا تستعيد الماضي بقدر ما تستدعيه من قبره لكي تسأل الحاضر عن مسؤوليته تجاهه، فالهزيمة هنا ليست حدثًا وقع وانتهى، وإنما ذاكرة جرى تمديدها داخل الزمن حتى أصبحت طريقة في النظر إلى الذات والعالم، وهذا هو المعنى الذي يجعل الذاكرة قريبة من مفهوم السلطة عند ميشيل فوكو، فالسلطة لا تعمل فقط من خلال المؤسسات والقوانين والعقوبات، وإنما تعمل أيضًا من خلال إنتاج الحقيقة، والحقيقة التاريخية نفسها ليست محايدة تمامًا عندما تصبح جزءًا من الخطاب الذي تتشكل من خلاله الجماعة، فالسلطة تستطيع أن تجعل حدثًا ما يبدو هامشيًا، وأن تجعل حدثًا آخر يبدو مؤسسًا للهوية، تستطيع أن تمنح الماضي شرعية معينة، أو تدفعه إلى منطقة النسيان، ومن هنا فإن «أنت منذ الأمس» يمكن النظر إليها بوصفها مسرحًا لذاكرة تقاوم أن تتحول إلى أرشيف، ذاكرة تقول إن ما حدث بالأمس لم يبقَ في الأمس، بل تسلل إلى الجسد العربي، إلى الخوف، إلى الانتظار، إلى صورة الأب، إلى علاقة الفرد بالوطن، وإلى ذلك الشعور الغامض بأن الزمن لم يتحرك بالقدر الذي توحي به عقارب الساعة، وكأن الماضي لم يعد وراءنا وإنما أصبح يقف أمامنا ويطالبنا بأن نراه من جديد.

وهنا تتضح علاقة الذاكرة بالجسد، فالذاكرة لا تعيش في الكتب وحدها، إنها تسكن الجسد، والجسد نفسه يمكن أن يصبح أرشيفًا سياسيًا من دون أن يحمل وثيقة واحدة، فالانحناءة قد تكون ذاكرة، والسقوط قد يكون ذاكرة، الارتجاف قد يكون ذاكرة، الصمت قد يكون ذاكرة، وحتى الحركة التي تبدو مجرد أداء جسدي يمكن أن تحمل في داخلها تاريخًا من القهر والهزيمة والخوف، ولذلك فإن الجسد المسرحي في هذه الأعمال لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه أداة لتحريك الشخصية فوق الخشبة، وإنما باعتباره سطحًا تكتب عليه السلطة آثارها، فالسلطة تريد أن تجعل الجسد مطيعًا، منضبطًا، قابلًا للتوجيه، لكنها في الوقت نفسه تترك عليه علامات مقاومتها، ومن هنا يلتقي فوكو مع المسرح بصورة عميقة، لأن الجسد عنده ليس شيئًا طبيعيًا منفصلًا عن التاريخ، وإنما هو أحد المواقع التي تتقاطع فوقها المعرفة والانضباط والقانون والرغبة والمؤسسة، والمسرح حين يستعيد الجسد بوصفه ذاكرة يصبح قادرًا على كشف ما لا يستطيع الحوار وحده أن يقوله، فالجسد الذي يسقط أمام حافلة تختفي، والجسد الذي يكرر الحركة ذاتها، والجسد الذي يتحول إلى جندي أو سجين أو ضحية أو شاهد، لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، وإنما يستعيد تاريخًا كاملًا من خلال الإيماءة، وكأن الخشبة تقول إن ما عجزت اللغة عن الاحتفاظ به، احتفظت به العضلات، وما حاول التاريخ الرسمي أن يدفنه، أعادت الحركة المسرحية إلى سطح الوعي.

لكن المفارقة الكبرى تبدأ عندما ننتقل من الجسد إلى الصورة، لأن الإنسان المعاصر لم يعد يعيش جسده فقط، بل أصبح يعيش أيضًا من خلال صورته، وهنا تدخل «لا موضى» إلى قلب المسألة، فالصورة لم تعد انعكاسًا للإنسان، وإنما أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لصناعة الإنسان ذاته، لم يعد السؤال فقط كيف أبدو، وإنما من الذي علمني كيف يجب أن أبدو، ومن الذي حدد لي معنى الجمال، ومن الذي أقنعني بأن قيمتي يمكن أن ترتفع أو تنخفض وفقًا لما ترتديه، أو وفقًا للطريقة التي يظهر بها جسدي أمام الآخرين، ولذلك فإن عالم الموضة في العرض التونسي لا يبدو عالمًا للملابس بقدر ما يبدو مصنعًا للرغبات، فالآلة لا تنتج القماش فقط، وإنما تنتج الرغبة في القماش، ولا تنتج الصورة فقط، وإنما تنتج الحاجة إلى الصورة، وهنا يصبح الجسد مادة خامًا لصناعة المعنى الاستهلاكي، فالجسد الذي كان في «أنت منذ الأمس» يحمل آثار التاريخ والسلطة والهزيمة، يصبح في «لا موضى» محاصرًا بسلطة الصورة، وكأن العرضين يضعان أمامنا مرحلتين مختلفتين من السيطرة على الإنسان، سلطة تكتب التاريخ داخل الجسد، وسلطة تمحو التاريخ من الجسد لكي تعيد تقديمه باعتباره صورة قابلة للبيع.

وهذه النقطة تحديدًا تجعل فكرة الاستهلاك أكثر خطورة من مجرد شراء الأشياء، لأن الاستهلاك في مستواه الأعمق يستهلك المعنى نفسه، فنحن لا نشتري الملابس لأننا نحتاج دائمًا إلى القماش، ولا نغير صورتنا لأن أجسادنا تغيرت بالضرورة، وإنما لأن النظام الاستهلاكي يقنعنا باستمرار بأن النسخة الحالية من ذواتنا غير كافية، وأن هناك نسخة أخرى أكثر لمعانًا تنتظرنا في الإعلان أو الشاشة أو واجهة المتجر، وهنا يصبح الجسد في حالة مطاردة دائمة لصورة لا يصل إليها أبدًا، فكلما اقترب من صورة مثالية ظهرت صورة جديدة، وكلما امتلك سلعة ظهرت سلعة أخرى تمنحه وعدًا جديدًا بالاكتمال، وبذلك يتحول الإنسان من مالك للسلعة إلى مملوك من قبل منطق الاستهلاك، وهي الفكرة التي تقترب بوضوح من أطروحات غي ديبور حول «مجتمع الاستعراض»، حيث لا تعود الصورة مجرد تمثيل للواقع، وإنما تصبح قوة اجتماعية تنظّم علاقتنا بالواقع، فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش، وإنما يريد أن يرى نفسه وهو يعيش، وأن يراقب صورته، وأن يقارنها بصور الآخرين، وأن يعيد إنتاجها لكي يحصل على اعتراف الجماعة.

ومن هنا تصبح الكاميرا في «لا موضى» أكثر من جهاز تصوير، إنها عين السلطة الجديدة، لكنها سلطة تختلف عن السلطة القديمة في أنها لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول للإنسان «افعل»، لأنها تجعله يريد أن يفعل، وهذه هي النقلة الأخطر، فالسلطة المعاصرة قد لا تظهر في صورة السجان، وإنما في صورة الشاشة، وقد لا تأتي في هيئة الأمر، وإنما في هيئة الاختيار، وقد لا تقول للجسد «أنا أراقبك»، وإنما تجعله يراقب نفسه بنفسه، يختار ملابسه، وزاوية وجهه، وحركته، وطريقة ظهوره، لأنه يعرف أن هناك عينًا تنتظره في مكان ما، وبذلك يصبح الإنسان حارسًا على نفسه، ويصبح الجسد سجنه الأكثر أناقة، وهنا تتقاطع أفكار فوكو حول المراقبة والانضباط مع أفكار ديبور حول الاستعراض، ومع ما طرحه بودريار حول هيمنة العلامة على الشيء، فالملابس لا تعود ملابس، وإنما علامة على المكانة، واللون لا يعود لونًا، وإنما علامة على الذوق، والجسد لا يعود جسدًا، وإنما علامة على النجاح، والصورة لا تعود صورة، وإنما شهادة اجتماعية على وجود الفرد وقيمته.

وإذا كانت «أنت منذ الأمس» تسأل من يمتلك الماضي، فإن «لا موضى» تسأل من يمتلك الصورة، وبين السؤالين مسافة تبدو كبيرة لكنها في الحقيقة قصيرة جدًا، لأن السيطرة على الذاكرة والسيطرة على الصورة تنتميان إلى منطق واحد، هو السيطرة على الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، فالسلطة التي تعيد صياغة الماضي تريد أن تحدد لك من أين جئت، والسلطة التي تصنع الصورة تريد أن تحدد لك كيف ينبغي أن تبدو، وبين الأصل والمظهر تضيع منطقة حرة كان يمكن للإنسان أن يسأل فيها من يكون، ولذلك فإن الانتقال من الذاكرة إلى الصورة يكشف أن الصراع الحقيقي في هذه العروض ليس على الأشياء، وإنما على الوعي، ليس على الماضي وحده ولا على الجسد وحده، وإنما على حق الإنسان في أن يمتلك تفسيره لذاته.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة «الناعشون» بوصفها المرحلة الأكثر قسوة في هذا المسار، لأن الجسد حين يُحرم من حقه في أن يكون ذاتًا، يتحول في النهاية إلى جسد مهدد بالموت، والجسد الذي كان في «لا موضى» يُعاد تشكيله لكي يناسب الصورة، يصبح في «الناعشون» مهددًا بأن يفقد حتى حقه في الاستمرار، وبين منصة العرض والنعش تتكشف المفارقة الحضارية الكبرى، في الحالتين هناك جسد موضوع أمام الآخرين، في الأولى جسد يُعرض لكي يُستهلك بصريًا، وفي الثانية جسد يُحمل لكي يشهد على انهيار عالم لم يعد يعرف قيمة الإنسان إلا من خلال قدرته على البقاء أو الانتفاع أو المشاركة في لعبة القوة، فالإنسان لا يصبح إنسانًا لأنه يملك جسدًا فقط، وإنما لأنه واعٍ بفناء هذا الجسد، لكن المأساة تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة الوجودية إلى واقع سياسي، عندما لا يعود الموت أفقًا إنسانيًا مشتركًا، وإنما يصبح نتيجة لقرارات الآخرين، عندها لا يعود السؤال «كيف سأموت؟»، وإنما «من منح الآخرين الحق في أن يقرروا موتي؟».

وفي «غياهب الروح» يصل الصراع بين السلطة والجسد والصورة إلى طبقة أكثر بدائية وأكثر عمقًا، لأن السلطة هنا لا تحتاج إلى شاشة حديثة ولا إلى سوق عالمي، يكفيها الخوف، والخوف حين يتحول إلى معتقد، والمعتقد حين يتحول إلى مؤسسة، والمؤسسة حين تستخدم المقدس أو الغامض لإرهاب الإنسان، يصبح الجسد مستعدًا لأن يطيع حتى عندما لا يفهم، وهنا تتحول الرحى الضخمة في فضاء العرض إلى استعارة مذهلة، فهي لا تطحن الحبوب فقط، وإنما تبدو وكأنها تطحن الوعي نفسه، تطحن الأسئلة، تطحن الفرد، وتعيده إلى شكل يمكن للنظام أن يحتمله، فالرحى الدائرية تستدعي زمنًا لا يتقدم وإنما يدور، وكل دورة تعيد إنتاج الخوف نفسه، وكل طقس يعيد تثبيت السلطة نفسها، وكل تضحية تؤكد أن الجماعة لا تزال مستعدة لأن تمنح جسدًا بشريًا قربانًا من أجل استمرار الوهم، وهنا يصبح مفهوم رينيه جيرار عن «كبش الفداء» مفيدًا في قراءة هذا العالم، لأن الجماعة حين تعجز عن مواجهة أسباب أزمتها الحقيقية قد تبحث عن جسد واحد تلقي عليه ذنب الخوف والاضطراب، فتتحول التضحية بالفرد إلى وسيلة لاستعادة وهم النظام، وبذلك تكتمل الدائرة، الذاكرة تحمل أثر السلطة، والجسد يحمل أثر الذاكرة، والصورة تعيد تشكيل الجسد، والاستهلاك يعيد تعريف الصورة، والخوف يمنح السلطة القدرة على التحكم في الجسد، ثم تعيد السلطة إنتاج الذاكرة والصورة والخوف في دورة لا تنتهي، ولهذا فإن القيمة الكبرى لهذه التجارب المسرحية لا تكمن فقط في أنها تتناول الهزيمة أو الموضة أو الموت أو الأسطورة، وإنما في أنها تكشف الإنسان وهو ينتقل من سلطة إلى أخرى، من سلطة التاريخ إلى سلطة الشاشة، ومن سلطة الحرب إلى سلطة السوق، ومن سلطة الأسطورة إلى سلطة الخوف، وفي جميع هذه الحالات يظل السؤال واحدًا، ماذا يبقى من الإنسان عندما لا يعود قادرًا على امتلاك ذاكرته، ولا صورته، ولا جسده، ولا حقه في تفسير وجوده

وهنا تحديدًا يمكن فهم خصوصية الحس الشرقي الذي يتبدى في هذه العروض بعيدًا عن أي ثنائية ساذجة تجعل الشرق روحانيًا والغرب ماديًا، فالمسألة ليست جغرافيا ثقافية، وإنما طريقة في النظر إلى الإنسان، فالإنسان في هذه التجارب لا يُختزل في جسده، لأن الجسد يحمل روحًا وذاكرة وخوفًا واعتقادًا وتاريخًا، ولا يُختزل في صورته لأن الصورة يمكن أن تخونه، ولا في استهلاكه لأن الأشياء لا تمنحه معنى وجوده، ولذلك تبدو الخشبة وكأنها تبحث عن شيء لا تستطيع الكاميرا وحدها أن تصوره، شيء يختبئ خلف الجسد وخلف القناع وخلف الملابس وخلف الموت وخلف الصورة، ذلك الشيء الذي يمكن تسميته بالروح، لا بوصفها مفهومًا دينيًا ضيقًا، وإنما بوصفها المساحة الأخيرة التي يحاول الإنسان أن يحتفظ فيها بحقه في أن يكون أكثر من جسد، وأكثر من صورة، وأكثر من مستهلك، وأكثر من رقم داخل نظام اقتصادي أو سياسي أو إعلامي، وعندما يصل المسرح إلى هذه المنطقة فإنه لا يعود مجرد فن يعرض الواقع، وإنما يصبح فعل مقاومة للواقع حين يحاول الواقع أن يقنعنا بأن الإنسان لا يساوي إلا ما يمكن قياسه أو تصويره أو بيعه أو السيطرة عليه

 الجسد الذي يتذكر، والصورة التي تراقب، والروح التي تقاوم.

إذا كان المسرح هو الفن الذي يجعل الإنسان يرى نفسه في جسد إنسان آخر، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المسرح المعاصر هو أن يكشف لنا أن هذا الجسد الذي ننظر إليه فوق الخشبة لم يعد ملكًا كاملًا لصاحبه، فقد أصبح محاصرًا بشبكة هائلة من القوى التي تراقبه وتعيد تشكيله وتمنحه أسماءً وصورًا ووظائف ورغبات لم يخترها بالضرورة، ومن هنا تكتسب التجارب الأربع، «أنت منذ الأمس»، و«لا موضى»، و«الناعشون»، و«غياهب الروح»، أهميتها الحقيقية، لأنها لا تقدم لنا أربعة موضوعات منفصلة، وإنما تضع أمامنا أربعة وجوه للإنسان وهو يصارع كي يستعيد حقه في امتلاك ذاته، ففي العرض الأردني يبدو الإنسان مسكونًا بماض لم يستطع الزمن أن يدفنه، وفي العرض التونسي يبدو محاصرًا بصورة تصر المنظومة الاستهلاكية على أن تكون هي الحقيقة الوحيدة لجسده، وفي العرض السعودي يصبح الجسد نفسه مهددًا بالتحول إلى رقم بين أرقام الموت والحروب والكوارث، أما في العرض الإماراتي فإن الجسد يقع تحت سطوة الخوف والأسطورة والمعتقد حين تتحول الرغبة في تفسير العالم إلى أداة لإخضاع الإنسان، ولذلك يمكن القول إن هذه العروض الأربعة تتحرك في مساحة واحدة، هي المسافة الفاصلة بين الإنسان بوصفه كائنًا حيًا وبين الإنسان حين تتحول حياته إلى مادة قابلة للتنظيم والقياس والتوجيه والعرض والاستهلاك والتضحية.

ومن هنا يصبح الجسد في المسرح العربي التجريبي أكثر من كتلة بيولوجية تتحرك أمام أعيننا، إنه وثيقة غير مكتوبة، وإذا كان التاريخ الرسمي يكتب نفسه في الكتب والأرشيفات والوثائق، فإن التاريخ الآخر، تاريخ الخوف والقهر والهزيمة والرغبة والحرمان، يكتب نفسه في العضلات والملامح والإيماءات، وهذه الفكرة تقودنا إلى ميرلو بونتي الذي لم يتعامل مع الجسد باعتباره شيئًا نمتلكه كما نمتلك قطعة من العالم، بل باعتباره الطريقة التي نحضر بها في العالم، فالإنسان لا يعيش بجسد فقط، وإنما يعيش العالم من خلال جسده، وحين يوضع الجسد على الخشبة يصبح المسرح قادرًا على إعادة بناء علاقتنا بالعالم قبل أن ينطق الممثل بكلمة واحدة، ولهذا فإن السقوط في «أنت منذ الأمس»، والتكرار الحركي في «لا موضى»، والأجساد المحاصرة بالنعوش والأقمشة في «الناعشون»، والأجساد التي تدخل في طقوس الخوف والسلطة في «غياهب الروح»، ليست مجرد حلول حركية أو جماليات بصرية، وإنما هي أشكال مختلفة لقول الشيء الذي لا تستطيع اللغة المباشرة أن تقوله، إن الجسد يعرف قبل أن يتكلم، ويتذكر قبل أن يروي، ويقاوم قبل أن يعلن مقاومته.

وفي «أنت منذ الأمس» يبدو هذا الجسد وكأنه يعيش داخل تاريخ لم يسمح له بالخروج منه، فالشخصية لا تحمل الهزيمة بوصفها معلومة سياسية، وإنما تحملها بوصفها حالة وجودية، وهذا هو الفارق بين أن نتذكر الحدث وأن يصبح الحدث جزءًا من تكويننا، فالذكرى الأولى يمكن أن نستعيدها ونضعها في مكانها الزمني، أما الذاكرة التي تحولت إلى هوية فإنها تستمر في إعادة تشكيل الحاضر، وهنا تصبح رواية تيسير سبول، بما تحمله من جرح تاريخي، نقطة عبور بين زمنين، زمن وقع فيه الحدث وزمن لم يستطع أن يتحرر من نتائجه، وكأن العنوان نفسه، في انتقاله من «أنت منذ اليوم» إلى «أنت منذ الأمس»، لا يقوم فقط بتغيير كلمة، وإنما يقلب اتجاه الزمن كله، فاليوم الذي كان يمكن أن يكون بداية جديدة يتحول إلى أمس، والأمس الذي يفترض أن يكون قد انتهى يصبح حاضرًا دائمًا، وهذه المفارقة الزمنية تفتح الباب أمام رأى التاريخ من زاوية مختلفة عن فكرة التقدم الخطي، فالتاريخ ليس قطارًا يتحرك دائمًا إلى الأمام، وإنما يحمل داخله بقايا الكارثة، وما يبدو من الماضي أنه انتهى يمكن أن يعود كلما اكتشف الحاضر أنه لم يعالج جرحه، ولذلك فإن الجسد الذي يسقط في العرض لا يسقط مرة واحدة، إنه يعيد تمثيل سقوط تاريخ كامل، وكأن المسرح يحاول أن يقول إن الهزيمة لا تنتهي عندما ينتهي صوت المدافع، وإنما تنتهي فقط عندما يستعيد الإنسان قدرته على النظر إلى نفسه من دون أن يرى فيها صورة الهزيمة وحدها

وهنا تتداخل الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، وهو ما يجعل أفكار موريس هالبفاكس شديدة الأهمية في قراءة هذا العرض، فالإنسان لا يتذكر منفردًا تمامًا، وإنما تتشكل ذاكرته داخل الجماعات التي ينتمي إليها، الأسرة، الوطن، اللغة، المدينة، الطبقة، الجماعة الثقافية، وحين تصبح الجماعة نفسها مصابة بجرح تاريخي فإن الفرد يرث الجرح حتى لو لم يعش لحظة وقوعه، وهذا ما يمنح المسرح قدرته على إعادة فتح الماضي، لأن الخشبة لا تستعيد ما حدث من أجل الحنين، وإنما من أجل الكشف عن الطريقة التي لا يزال بها الماضي يحكم الحاضر، الأب في «أنت منذ الأمس» ليس أبًا عائليًا فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى صورة مركبة للسلطة، والعسكري ليس عسكريًا فقط، وإنما يمكن أن يصبح تجسيدًا لمنطق الأمر والطاعة، والعدو ليس شخصًا محددًا فقط، وإنما يتحول إلى صورة تاريخية للخوف، وهكذا يصبح المسرح قادرًا على تفكيك الحدود بين الخاص والعام، بين البيت والوطن، بين الأسرة والدولة، لأن السلطة السياسية حين تستقر في وعي الجماعة قد تعيد إنتاج نفسها داخل العلاقات الأكثر حميمية

وهذه النقطة تحديدًا تفتح طريقًا إلى «لا موضى»، لأن السلطة التي تظهر في العرض الأردني في هيئة سياسية وتاريخية، تظهر في العرض التونسي في هيئة أكثر نعومة وأشد مراوغة، إنها سلطة لا تضرب الجسد وإنما تغريه، لا تأمره فقط وإنما تقنعه بأن الأمر رغبة شخصية، ولا تقول له «كن كما أريد» وإنما توهمه بأن ما يريده هو اختياره الحر، وهنا تقترب تجربة العرض من عالم غي ديبور، حيث تصبح الصورة وسيطًا بين الإنسان والعالم، ثم تتحول تدريجيًا إلى عالم بديل، فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش حياته، وإنما يبدأ في استهلاك صور الحياة، ويقيس ذاته على الصور التي تنتجها الإعلانات والمنصات والمجلات والشاشات، ثم يبدأ في تعديل جسده كي يقترب من الصورة، وهنا تصبح المأساة أن الجسد لم يعد هو الأصل والصورة هي التمثيل، وإنما الصورة هي التي تصبح الأصل والجسد هو الذي يُطلب منه أن يطابقها

ولهذا فإن «لا موضى» لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مسرحية تهاجم الموضة بمعناها الضيق، لأن الموضة ليست سوى السطح المرئي لنظام أوسع، نظام يحول الإنسان إلى صورة، والصورة إلى علامة، والعلامة إلى سلعة، والسلعة إلى رغبة جديدة، والرغبة إلى دورة لا تنتهي من الاستهلاك، وهذه الدورة لا تحتاج إلى إجبار الإنسان عليها لأن الإنسان نفسه يصبح شريكًا فيها، وهنا تكمن عبقرية السلطة الاستهلاكية، إنها تجعل الضحية تشارك في بناء القفص الذي ستعيش داخله، ولذلك تصبح ماكينة الخياطة في العرض أكثر من أداة لصناعة الملابس، إنها آلة لإعادة تشكيل الإنسان، فالخيط الذي يربط قطع القماش يمكن أن يصبح في المستوى الرمزي خيطًا يربط الرغبة بالسوق، والجسد بالصورة، والصورة بالمال، والمال بالاعتراف، والاعتراف بالحاجة إلى صورة جديدة، وهكذا يتحول العرض إلى سؤال فلسفي عن الحرية، هل أنا الذي أختار صورتي، أم أن الصورة هي التي اختارتني قبل أن أقرر من أكون.

وفي هذه النقطة تبرز أهمية وجود الكاميرا والشاشات داخل الفضاء المسرحي، لأن الكاميرا لا تقوم فقط بتوثيق ما يحدث، وإنما تدخل في صناعة ما يحدث، وهذا هو الفارق بين المسرح الذي يستخدم التكنولوجيا كزينة والمسرح الذي يجعل التكنولوجيا موضوعًا فلسفيًا، ففي «لا موضى» تصبح الكاميرا جزءًا من السلطة نفسها، لأنها تصنع المشهد الذي ستصوره، وتعيد تقديمه بوصفه واقعًا، ثم تمنح المتلقي إحساسًا بأنه يشاهد الحقيقة بينما هو في الحقيقة يشاهد حقيقة مصنوعة بعناية، وهذه الفكرة تقودنا إلى جان بودريار، حيث تصبح العلامة أكثر حضورًا من الشيء الذي تشير إليه، ويصبح الواقع نفسه معرضًا لخطر أن يتحول إلى نسخة من صورته، وعند هذه النقطة يصبح الممثل في خطر أن يفقد إنسانيته، لأنه لا يعود يؤدي شخصية فحسب، وإنما يؤدي صورة الشخصية، والجسد لا يعود موجودًا من أجل ذاته، وإنما من أجل قابليته للتصوير.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة في التجربة التونسية، وهي أن الإنسان قد يدخل إلى القفص وهو يعتقد أنه دخل إلى مساحة تمنحه فرصة لإظهار ذاته، ثم يكتشف أن القفص نفسه هو الذي كان ينتج ذاته، وهذه المفارقة ليست بعيدة عن عالمنا المعاصر، فالإنسان الذي يفتح الكاميرا كي يقدم نفسه للآخرين يعتقد أنه يملك لحظة التعبير، لكنه في كثير من الأحيان يبدأ تدريجيًا في تعديل سلوكه وفقًا لما يتوقع أن يريده الآخرون، يصبح الوجه مشروعًا للصيانة، والجسد مشروعًا للتحسين، والملابس مشروعًا للعرض، والحياة نفسها مادة قابلة للتحرير، وهنا تتحول الذات إلى منتج إعلامي، ويصبح الإنسان في الوقت ذاته المنتج والمستهلك والبائع والسلعة.

أما «الناعشون» فيعيدنا إلى النقطة الصفر التي تبدأ منها كل هذه التحولات، الجسد نفسه، لأن كل نظام سياسي أو اقتصادي أو إعلامي يمكنه أن يعيد تعريف الإنسان، لكنه في النهاية لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة هشاشته، والموت هو اللحظة التي تسقط فيها كل الصور، فالنعش لا يهتم بالموضة، ولا يعترف بالشعارات، ولا يعرف الفرق بين صاحب السلطة ومن لا سلطة له، ولكنه في الوقت نفسه يكشف قسوة العالم عندما يصبح الموت نتيجة مباشرة لنظام من أنظمة القوة، وهنا تتجاوز المسرحية فكرة الموت الفردي إلى السؤال عن القيمة التي يمنحها العالم المعاصر لحياة الإنسان، فحين تصبح الحرب وسيلة سياسية، والفقر نتيجة اقتصادية، والمرض أزمة اجتماعية، يصبح الجسد البشري هو المكان الذي تُدفع فيه فاتورة القرارات التي يتخذها الآخرون، ولذلك فإن النعش في العرض ليس نهاية الإنسان فقط، وإنما شهادة على فشل منظومة كاملة في حماية حقه في الحياة.

ومن هنا يمكن فهم حضور الأقمشة والأكفان والحبال والأطر الفارغة في الفضاء، فكل عنصر مادي يبدو وكأنه يحمل خلفه معنى غير مادي، القماش الذي يغطي الجسد يصبح علامة على اختفائه، الحبل يمكن أن يكون قيدًا ويمكن أن يصبح خطًا يفصل الحياة عن الموت، الإطار الفارغ يمكن أن يكون بقايا إنسان أو صورة لإنسان لم يعد موجودًا، وهنا يستعيد المسرح قدرته القديمة على تحويل الشيء إلى رمز، وهي قدرة تزداد أهميتها كلما أصبح العالم أكثر امتلاءً بالأشياء، لأن المسرح لا يحتاج إلى امتلاك المادة بقدر ما يحتاج إلى تحريرها من معناها الأول، فالكرسي ليس كرسيًا، والنعش ليس مجرد صندوق، والملابس ليست مجرد أزياء، والرحى ليست مجرد قطعة ديكور، وإنما تتحول الأشياء على الخشبة إلى مفاتيح لقراءة الإنسان

وفي «غياهب الروح» يصبح هذا التحول أكثر وضوحًا، لأن الرحى المعدنية الكبيرة لا تعمل بوصفها عنصرًا تشكيليًا ضخمًا فحسب، وإنما تتحول إلى صورة للزمن الذي يطحن البشر داخل دورة لا يعرفون كيف يخرجون منها، وهنا يمكن استدعاء ميرسيا إلياد وفكرته عن الزمن الطقوسي، حيث يمكن للمجتمعات التقليدية أن تعيد إنتاج أحداثها وطقوسها في صورة دورية تمنحها شعورًا بالاستمرار، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الدورية إلى سجن، عندما يصبح تكرار الطقس تكرارًا للخوف، وعندما يصبح الماضي حجة لإدامة السلطة، وعندما تتحول الحكاية التي كان يفترض أن تساعد الإنسان على فهم العالم إلى أداة تمنعه من طرح الأسئلة، وهنا لا يعود الشرير الحقيقي في العرض هو الكائن الغامض أو القوة الخارقة، وإنما يصبح الشر الحقيقي هو اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن التفكير ويمنح الخوف حق التفكير نيابة عنه

إن «غياهب الروح» تضعنا أمام سؤال قديم قدم الإنسان نفسه، كيف يولد الإيمان من الخوف، وكيف يتحول الإيمان بعد ذلك إلى سلطة، وكيف يمكن للسلطة أن تستخدم ما هو روحي من أجل السيطرة على ما هو جسدي، وهذه المسألة تجعل التضحية بالابنة أكثر من حدث درامي، لأنها تكشف عن الآلية التي يمكن للجماعة من خلالها أن تقدم جسدًا بشريًا قربانًا من أجل الحفاظ على توازن وهمي، وهنا يلتقي جيرار مع إلياد، الأول يفسر كيف تحتاج الجماعة في لحظات الأزمة إلى جسد تلقي عليه عنفها، والثاني يساعدنا على فهم كيف تمنح الطقوس هذا العنف شرعية تتجاوز الفرد، فيصبح قتل الضحية فعلًا يبدو مقدسًا أو ضروريًا أو قدرًا لا يمكن تغييره، والمسرح حين يعرّي هذه الآلية يعيد إلى الإنسان حقه في السؤال، والسؤال هنا ليس تمردًا على الروح، وإنما ربما هو دفاع عن جوهرها

ولذلك فإن «غياهب الروح» لا تقف في مواجهة الروح، بل في مواجهة استغلال الروح، وهذا تمييز شديد الأهمية، لأن الحس الشرقي الذي تبحث عنه هذه القراءة ليس دعوة إلى الهروب من المادة أو احتقار الجسد، وإنما هو رفض لتحويل المادة إلى الإله الوحيد، ورفض لتحويل الإنسان إلى كائن لا يرى إلا ما يمكن قياسه أو شراؤه أو عرضه، فالروح هنا ليست نقيض الجسد، وإنما هي المعنى الذي يمنع الجسد من أن يتحول إلى سلعة أو رقم أو قربان، ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا تبدو هذه العروض مشغولة بالموت والخوف والذاكرة والأسطورة والصورة أكثر من انشغالها بالحكاية التقليدية وحدها، لأنها جميعًا تبحث في النهاية عن شيء يقع خلف الظاهر.

إن التجريب الحقيقي في هذه الأعمال لا يكمن إذن في غرابة الشكل وحدها، ولا في استخدام الفيديو أو الشاشات أو الأجساد البهلوانية أو الأشياء الضخمة أو الفراغ المسرحي، فالتجريب الذي لا يغير طريقة رؤيتنا للإنسان يظل مجرد تغيير في المظهر، أما حين يصبح الشكل نفسه وسيلة لاكتشاف طبقة غير مرئية من الوجود، عندها يبدأ المسرح في تحقيق مغامرته الحقيقية، ولهذا يمكن القول إن المخرجين الأربعة لا يذهبون بالمسرح بعيدًا عن الواقع، وإنما يذهبون بالواقع إلى منطقة أكثر عمقًا، إنهم لا يهربون من المادة إلى الروح، وإنما يحاولون اكتشاف الروح المختبئة داخل المادة، داخل الذاكرة، داخل الجسد، داخل الملابس، داخل النعش، داخل الرحى، داخل الصورة، داخل الخوف، وفي هذه النقطة تحديدًا تقترب تجربتهم من جوهر المسرح بوصفه فنًا حيًا، لأن المسرح لا يقدم لنا الإنسان كما يظهر فقط، وإنما يحاول أن يسأل عما يخفيه هذا الظهور

وهذا ما يجعل المتفرج نفسه جزءًا من القضية، ففي «لا موضى» يصبح المشاهد مراقبًا ومراقَبًا في الوقت ذاته، وفي «أنت منذ الأمس» يصبح مستمعًا إلى ذاكرة قد تكون ذاكرته هو أيضًا، وفي «الناعشون» يصبح شاهدًا على جسد يمكن أن يكون جسده في لحظة أخرى، وفي «غياهب الروح» يصبح جزءًا من جماعة تنظر إلى الخوف وتحاول أن تعرف هل ستخضع له أم تقاومه، وهنا تتجاوز العلاقة بين الخشبة والصالة حدود الفرجة، فالمسرح لا يعود مكانًا نذهب إليه لكي نشاهد الآخرين، وإنما مكانًا نكتشف فيه أننا كنا طوال الوقت موضوع المشاهدة، وأن ما نراه فوق الخشبة يمكن أن يعود إلينا بوصفه سؤالًا شخصيًا، ماذا أفعل بذاكرتي، ماذا أفعل بجسدي، ماذا أفعل بصورتي، ماذا أفعل برغباتي التي أظن أنها تخصني، وماذا أفعل بخوفي حين يحاول الآخرون أن يحولوه إلى قانون.

ولعل هذه الأسئلة هي التي تمنح العروض الأربع وحدتها العميقة، فالذاكرة في «أنت منذ الأمس» تقاوم النسيان، والجسد في «لا موضى» يقاوم تحويله إلى سلعة، والإنسان في «الناعشون» يقاوم أن يتحول موته إلى رقم، والروح في «غياهب الروح» تقاوم أن تتحول معتقداتها إلى أدوات لقمعها، وفي الحالات الأربع لا تكون المقاومة صراخًا سياسيًا مباشرًا بالضرورة، وإنما تظهر أحيانًا في صورة جسد يرفض الحركة المطلوبة، أو شخصية تستعيد سؤالًا قديمًا، أو امرأة ترفض التضحية، أو إنسان يكتشف أن الصورة التي عاش داخلها لم تكن صورته، أو ميت يظل حضوره أقوى من الأحياء، وهنا يثبت المسرح أنه يستطيع أن يقاوم السلطة ليس فقط عندما يهاجمها، وإنما عندما يعيد للإنسان تعقيده الذي تحاول السلطة اختزاله

فالسلطة تحب الإنسان البسيط، الإنسان الذي يمكن تعريفه في خانة واحدة، مواطن، مستهلك، متفرج، تابع، عامل، رقم، ضحية، لكنها تخاف الإنسان المركب، الإنسان الذي يستطيع أن يكون ذاكرة وجسدًا وروحًا وصورةً وراويًا وشاهدًا ومقاومًا في الوقت نفسه، ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يفعله المسرح هو أن يعيد هذا التعقيد إلى الإنسان، أن يمنحه الحق في أن يكون أكثر من الدور الذي كُتب له، وأكثر من الصورة التي صنعت له، وأكثر من التاريخ الذي فُرض عليه، وأكثر من الجسد الذي يريد السوق امتلاكه، وأكثر من الخوف الذي تريد السلطة أن تحكمه من خلاله، وهنا يصبح المسرح فعل استرداد، استرداد الذاكرة من النسيان، والجسد من السوق، والصورة من الاستعراض، والروح من الخرافة، والحياة من الموت.

وعندما نصل إلى هذه النقطة يصبح من الممكن إعادة النظر في فكرة «شرق الروح» ذاتها، فالشرق الذي تظهر ملامحه في هذه العروض ليس شرقًا جغرافيًا يقف في مواجهة غرب مادي، وليس صورة رومانسية عن حكمة شرقية مكتملة، وإنما هو سؤال حضاري عن الإنسان حين يرفض أن تكون قيمته محكومة بما يمتلكه، أو بما يظهره، أو بما يستهلكه، أو بما تنتجه المؤسسات عنه، إنه شرق يظهر في لحظة بحث الإنسان عن المعنى، في تلك المنطقة التي لا تستطيع الشاشة أن تلتقطها، ولا السوق أن يسعرها، ولا السلطة أن تمتلكها بالكامل، وفي هذه المنطقة تحديدًا تتولد إمكانية المقاومة، لأن الإنسان يستطيع أن يخسر ماله ويبقى إنسانًا، وأن يخسر صورته ويبقى إنسانًا، وأن يخسر مكانته ويبقى إنسانًا، بل يستطيع أن يواجه الموت نفسه وهو يتمسك بالمعنى، لكن الكارثة تبدأ عندما يفقد المعنى، لأن الإنسان عندها قد يظل حيًا بجسده، لكنه يصبح ميتًا من الداخل.

وهكذا تتحول العروض الأربعة إلى ما يشبه رحلة واحدة عبر طبقات الإنسان، نبدأ بالذاكرة فنكتشف السلطة، وننتقل إلى الجسد فنكتشف الصورة، وننتقل إلى الصورة فنكتشف الاستهلاك، ثم نصل إلى الموت فنكتشف هشاشة المادة، ثم ندخل إلى الخوف فنكتشف الروح، وفي النهاية نعود إلى المسرح فنكتشف أن الخشبة نفسها ليست سوى محاولة لاستعادة الإنسان من كل هذه القوى التي تتنازعه، وكأن المسرح يقول لنا إن الإنسان لا يُنقذ عندما نمنحه شيئًا جديدًا، وإنما عندما نعيد إليه ما سُلب منه، ذاكرته، وجسده، وصورته، وحريته في تفسير ذاته، وقدرته على الشك، وحقه في الحلم، وحقه في أن يكون أكثر من شيء يُعرض أو يُستهلك أو يُراقب أو يُضحى به.

ومن هنا تصبح القراءة ضروريًا، لأنه لا ينبغي أن تنتهي الرحلة عند اكتشاف آليات السلطة، فالنقد الذي يكشف القفص ثم يغادر دون أن يسأل عن إمكانية الخروج منه يظل نقدًا ناقصًا، والسؤال الأعمق الذي تتركه هذه العروض ليس فقط كيف تُستعبد الذاكرة، وكيف يُراقب الجسد، وكيف تُنتج الصورة، وكيف يُستهلك الإنسان، وإنما هل يستطيع المسرح نفسه أن يصبح مكانًا تستعيد فيه الروح قدرتها على المقاومة، وهل يمكن للجسد المسرحي أن ينتقل من كونه موضوعًا للنظر إلى أن يصبح ذاتًا تنظر، وهل يمكن للصورة أن تتحرر من كونها سلعة لتصبح ذاكرة، وهل يمكن للمادة أن تتجاوز وظيفتها لكي تصبح حاملًا للمعنى، وهل يستطيع الإنسان العربي، وهو يقف أمام كل هذه المرايا المسرحية، أن ينتقل من موقع المتفرج على أزمته إلى موقع القادر على إعادة كتابة صورته، وهذه هي العتبة التي ينبغي أن ندخل منها، حيث لا يعود السؤال عن السلطة وحدها، وإنما عن الخلاص، وعن المسرح بوصفه مساحة لاستعادة الروح من قبضة التاريخ والسوق والخوف والموت.

المسرح حين يسترد الإنسان من الأشياء

ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا الذي تطرحه هذه العروض الأربعة هو ماذا تريد أن تقول، وإنما ماذا تريد أن تعيد إلى الإنسان بعد أن أخذت منه السلطة والتاريخ والسوق والصورة والخوف الكثير، فالمسرح العظيم لا يكتفي بأن يضع أمامنا صورة الخراب، وإنما يحاول أن يبحث في قلب الخراب عن تلك البذرة الصغيرة التي لم تستطع الآلة أن تسحقها بالكامل، وفي «أنت منذ الأمس» نجد تلك البذرة في الذاكرة التي ترفض أن تتحول إلى قبر مغلق، وفي «لا موضى» نجدها في الجسد الذي يكتشف أن الصورة التي قُدمت إليه ليست بالضرورة صورته، وفي «الناعشون» نجدها في الإنسان الذي يصر على أن حياته ليست رقمًا في سجل الموت، وفي «غياهب الروح» نجدها في السؤال الذي يخرج من قلب الخوف ليقول إن ما ورثناه من حكايات لا ينبغي أن يتحول إلى سلاسل، ومن هنا فإن العروض الأربعة، على اختلاف لغاتها ومرجعياتها وأشكالها، تلتقي في مقاومة واحدة، مقاومة اختزال الإنسان، لأن السلطة تختزله في تابع، والسوق يختزله في مستهلك، والإعلام يختزله في صورة، والحرب تختزله في ضحية، والخرافة تختزله في جسد قرباني، بينما يحاول المسرح أن يعيده إلى تعقيده الأول، إلى إنسان له ذاكرة ووعي وجسد وخيال وروح وقدرة على الرفض.

وهنا يمكن استعادة مفهوم الإنسان بوصفه كائنًا لا يعيش فقط داخل الأشياء وإنما يسأل عن معنى وجوده بينها، فالبيت ليس مجرد جدران، والملابس ليست مجرد قماش، والنعش ليس مجرد خشب، والرحى ليست مجرد معدن، والسرير ليس مجرد قطعة أثاث، والصورة ليست مجرد سطح بصري، لأن الإنسان يمنح الأشياء معاني تتجاوز مادتها، وربما هنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في هذه التجارب، أنها لم تستخدم الأشياء باعتبارها ديكورًا وإنما باعتبارها ذاكرة مادية، فالسرير في «أنت منذ الأمس» يستطيع أن يتحول إلى مكان للنوم ثم إلى قبر، ثم إلى مساحة للتحقيق أو الانتظار، والرحى في «غياهب الروح» تتجاوز وظيفتها الواقعية لتصبح آلة للزمن والخوف والدوران، والأقمشة في «الناعشون» لا تغطي الأجساد فقط وإنما تستحضر هشاشتها وفنائها، وماكينة الخياطة في «لا موضى» تتحول إلى صورة لنظام صناعي يعيد إنتاج الرغبة، وفي كل هذه الحالات يتحول الشيء من مادة صامتة إلى لغة، وهنا يصبح المسرح قادرًا على فعل ما لا يستطيع الخطاب النظري وحده أن يفعله، إنه يجعل الفلسفة مرئية.

وهذا التحول من المادة إلى المعنى يقودنا إلى فكرة شديدة الأهمية في التجربة المسرحية العربية، وهي أن التجريب الحقيقي لا يعني أن نضيف إلى المسرح أكبر عدد ممكن من التقنيات، وإنما يعني أن نكتشف علاقة جديدة بين الإنسان والعلامة، فالشاشة ليست تجريبًا لأنها شاشة، والكاميرا ليست تجريبًا لأنها كاميرا، والإضاءة ليست تجريبًا لأنها معقدة، والحركة ليست تجريبًا لأنها غريبة، وإنما تصبح كل هذه العناصر تجريبًا عندما تعيد تشكيل وعي المتفرج، عندما تجعله يرى شيئًا كان يراه كل يوم بطريقة لم يرها من قبل، ولهذا فإن «لا موضى» تكون أكثر قوة حين تجعل المتفرج يكتشف أنه ليس خارج اللعبة، وأن الكاميرا التي يظنها أداة مراقبة للآخرين يمكن أن تكون في الوقت نفسه أداة لمراقبته هو، وكذلك «أنت منذ الأمس» تصبح أكثر قوة حين تجعل الماضي حاضرًا أمامنا لا باعتباره صورة أرشيفية وإنما بوصفه قوة ما زالت تسكننا، و«غياهب الروح» تكون أكثر عمقًا حين تجعل الظلام حالة معرفية وليس مجرد غياب للضوء، و«الناعشون» يصبح أكثر إيلامًا عندما يجعل النعش علامة على انهيار قيمة الإنسان لا مجرد صورة للموت.

إن هذا كله يعيدنا إلى الجسد، لكن الجسد هنا لا يعود ذلك الجسد الذي تحدثنا عنه بوصفه ضحية للسلطة، وإنما يتحول إلى إمكانية للمقاومة، وهذه النقلة ضرورية، لأن المسرح إذا ظل يعرض الجسد باعتباره مقهورًا فإنه قد يقع دون أن يشعر في إعادة إنتاج صورة القهر نفسها، أما عندما يمنح الجسد قدرة على الانحراف عن الحركة المفروضة، وعلى كسر الإيقاع، وعلى الصمت في اللحظة التي ينتظر فيها الجمهور الكلام، وعلى النظر حين يُطلب منه الخضوع، فإنه يحول الجسد من موضوع إلى فاعل، وهذا قريب من بعض الرؤى التي قدمها جيرزي جروتوفسكي حين جعل جسد الممثل مركز التجربة المسرحية، لا بوصفه جسدًا جميلًا أو استعراضيًا، وإنما بوصفه جسدًا قادرًا على الكشف، جسدًا يختبر حدوده لكي يصل إلى شيء أعمق من الأداء الخارجي، وفي هذه المنطقة يصبح المسرح قريبًا من الطقس، لا لأن المسرح ينبغي أن يعود إلى الماضي، وإنما لأن الطقس في معناه العميق كان محاولة لإعادة ترتيب علاقة الإنسان بالعالم، وإعادة الإنسان إلى مركز تجربة يشعر فيها بأن وجوده ليس منفصلًا عن الكون.

ولذلك فإن الروح التي نبحث عنها في هذه العروض ليست روحًا هاربة من الجسد، بل روحًا تعيد للجسد معناه، وهذه نقطة ربما تكون ضرورية لكي لا نقع في قراءة رومانسية للشرق باعتباره عالم الروح مقابل عالم المادة، فالشرق ليس ضد الجسد، كما أن الغرب ليس ضد الروح، وهذه الثنائية فقدت قدرتها على تفسير العالم المعاصر، لكن ما يمكن أن نبحث عنه هو حساسية ثقافية ظل فيها الإنسان، عبر تاريخ طويل، ينظر إلى المرئي باعتباره بوابة إلى غير المرئي، وإلى الحكاية باعتبارها وسيلة لفهم المصير، وإلى الجسد باعتباره حاملًا للذاكرة، وإلى الموت باعتباره سؤالًا عن معنى الحياة، وإلى الأشياء باعتبارها علامات تتجاوز وجودها المادي، ومن هنا يمكن قراءة المسرح العربي التجريبي بوصفه محاولة لاستعادة هذا البعد دون الوقوع في استنساخ الماضي، أي أن يستفيد من الذاكرة دون أن يتحول إلى متحف، وأن يستخدم التراث دون أن يصبح أسيرًا له، وأن يدخل التكنولوجيا دون أن يصبح تابعًا لها، وأن يستعيد الروح دون أن يلغي الجسد، وهذا التوازن يبدو شديد الصعوبة، وربما هو أحد أكبر التحديات التي تواجه المسرح العربي في اللحظة الراهنة، لأن المسرح يقف بين عالمين متناقضين، عالم قديم يحمل ذاكرة كثيفة من الأساطير والطقوس والحكايات والهزائم والانتصارات، وعالم جديد تهيمن عليه الصورة السريعة، والمنصات، والاستهلاك، والإعلان، والاقتصاد الرقمي، وتتحول فيه الذات نفسها إلى محتوى قابل للنشر، ولذلك فإن المخرج الذي يريد أن يصنع مسرحًا معاصرًا لا يستطيع أن يكتفي باستدعاء التراث، كما لا يستطيع أن يكتفي باستيراد تقنيات الحداثة، وإنما عليه أن يجد نقطة الالتقاء بينهما، أن يسأل كيف يمكن للرحى القديمة أن تتحدث مع الشاشة الحديثة، وكيف يمكن للذاكرة أن تواجه الخوارزمية، وكيف يمكن للجسد الحي أن يقاوم الصورة المصنوعة، وكيف يمكن للحكاية الشعبية أن تواجه الإعلان، وكيف يمكن للمسرح، الذي يقوم على الحضور الإنساني المباشر، أن يظل قادرًا على منافسة عالم يستطيع أن يمنح المتلقي آلاف الصور في الدقيقة.

ومن هنا تصبح «لا موضى» شديدة الدلالة في سياق هذه المواجهة، لأنها تكشف أن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في المنظومة التي تستخدم التكنولوجيا لإعادة تشكيل الرغبات، فالشاشة يمكن أن تكون أداة تحرير كما يمكن أن تكون أداة سيطرة، والكاميرا يمكن أن تكشف الحقيقة كما يمكن أن تصنع حقيقة بديلة، والوسائط الرقمية يمكن أن تمنح الإنسان مساحة للتعبير كما يمكن أن تدفعه إلى صناعة نسخة تجارية من نفسه، ولذلك فإن المسرح الذي يستخدم التكنولوجيا بوعي لا ينبغي أن يسأل فقط كيف أعرض الصورة، وإنما لماذا أعرضها، ومن ينظر إليها، ومن يتحكم في إنتاجها، وما الذي يحدث للإنسان عندما تصبح صورته أكثر حضورًا من وجوده الحقيقي، وفي هذه النقطة يمكن الاستفادة من أفكار هان بيونغ-تشول حول التحول من السلطة القسرية إلى أشكال أكثر نعومة من السيطرة، فالإنسان المعاصر قد لا يكون بحاجة إلى شرطي يقف أمامه لكي يلتزم بالقواعد، يكفي أن يحمل في داخله صورة مثالية يريد أن يصل إليها، وأن يقيس نفسه باستمرار، وأن يراقب إنتاجيته ومظهره ونجاحه وحضوره، فيتحول الضغط الخارجي إلى مراقبة داخلية، وتتحول السلطة إلى رغبة، وتتحول الرغبة إلى استهلاك، وهذه الآلية تجعل الجسد واحدًا من أكثر ميادين الصراع حساسية، لأن الإنسان يبدأ في ممارسة السلطة على جسده بنفسه، يجوعه كي يصبح صورة، يغيره كي يصبح مقبولًا، يعرضه كي يحصل على الاعتراف، ويقارن نفسه بأجساد لا يعرف أنها في كثير من الأحيان صور مصنوعة ومعدلة، وهنا يبدو المسرح أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لأنه يستطيع أن يعيد إلى الجسد عيوبه وعرقه وتعبه وارتجافه وحقيقته، يستطيع أن يقول إن الجسد الحي ليس صورة مثالية، وإن قيمة الإنسان لا تبدأ من مظهره.

وفي المقابل، تأتي «الناعشون» لتعيد لنا حقيقة لا يستطيع أي نظام استهلاكي أن يلغيها، وهي أن كل صورة تنتهي أمام الموت، وأن الجسد الذي يحاول السوق تحسينه، والسلطة تنظيمه، والإعلام تصويره، والخوف إخضاعه، يظل جسدًا هشًا، وهذه الهشاشة ليست ضعفًا بالضرورة، بل قد تكون مصدرًا للأخلاق، لأن إدراك هشاشة الإنسان يجعلنا أكثر قدرة على رؤية الآخر باعتباره إنسانًا مثلنا، وهنا يمكن أن نستحضر إيمانويل ليفيناس، الذي جعل العلاقة بالآخر نقطة بداية للأخلاق، فالوجه الإنساني ليس صورة للاستهلاك، وإنما دعوة إلى المسؤولية، وعندما يتحول الآخر إلى رقم أو سلعة أو عدو مجرد، يصبح قتله أسهل، أما حين نراه بوصفه وجهًا يحمل هشاشة تشبه هشاشتنا، فإن العلاقة تتغير، ومن هنا يمكن للمسرح أن يقوم بدور أخلاقي عميق دون أن يتحول إلى موعظة، يكفي أن يجعل الجسد حاضرًا، حيًا، هشًا، قابلًا للألم، لكي يعيد إلينا شيئًا من قدرتنا على التعاطف.

أما «غياهب الروح» فتضع يدها على الجانب الآخر من المسألة، لأن الإنسان لا يُستعبد فقط عندما يُحرم من جسده، وإنما أيضًا عندما يُحرم من حقه في التفكير، وعندما يصبح الخوف بديلًا عن المعرفة، يصبح الإنسان مستعدًا لتسليم جسده للسلطة التي تدعي أنها تحميه، ولذلك فإن مقاومة الظلام في هذا العرض لا ينبغي أن تُفهم بوصفها انتصارًا بسيطًا للضوء على الظلام، وإنما بوصفها انتقالًا من الجهل إلى السؤال، من الطاعة إلى الوعي، من قبول الحكاية كما وصلت إلى القدرة على إعادة قراءتها، وهنا يصبح التراث نفسه مجالًا للصراع، فليس كل ما ورثناه مقدسًا، وليس كل ما جاء من الماضي صالحًا للحاضر، لكن الحل ليس في قطع الصلة بالماضي، وإنما في إعادة تأويله، لأن التراث الذي لا يمكن سؤاله يتحول إلى سلطة، والتراث الذي يمكن محاورته يصبح ذاكرة حية.

وهذا يقودنا مرة أخرى إلى «أنت منذ الأمس»، لأن الذاكرة يمكن أن تكون هي الأخرى سجنًا إذا تحولت إلى تكرار دائم، كما يمكن أن تكون فعل تحرر إذا تحولت إلى وعي، فالإنسان الذي يعيش في الماضي لا يستطيع أن يبني المستقبل، لكن الإنسان الذي ينسى الماضي محكوم بأن يكرر أخطاءه، والمسرح يقف في المنطقة الفاصلة بين النسيان والتكرار، إنه يعيد الماضي لكي يمنع تحوله إلى قدر، وهذه ربما هي إحدى الوظائف الأكثر عمقًا للمسرح، أن يجعلنا نرى ما حدث لكي نمتلك فرصة عدم حدوثه مرة أخرى، أن يعيد الجرح إلى الضوء لا لكي نستمتع بألمه، وإنما لكي نعرف كيف أصبح الجرح جزءًا مننا، ولهذا فإن شخصية تيسير سبول داخل «أنت منذ الأمس» لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها استدعاءً لشخصية أدبية أو تاريخية، وإنما باعتبارها استدعاءً للمؤلف الذي يصبح جزءًا من شخصيته، وللشخصية التي تتمرد على مؤلفها، وللتاريخ الذي يتمرد على الحاضر، وللذاكرة التي ترفض أن تظل في مكانها، وهنا تصبح العلاقة بين الكاتب والشخصية علاقة أكثر تعقيدًا من علاقة الخالق بالمخلوق، لأن المسرح يجعل الاثنين يتواجهان، وكأن النص نفسه يسأل صاحبه عن مسؤوليته تجاه ما خلقه، وهذه لعبة مسرحية عميقة، لأنها تحوّل الكتابة إلى سؤال أخلاقي، هل يستطيع الكاتب أن يهرب من شخصياته، وهل يستطيع المجتمع أن يهرب من ضحاياه، وهل يستطيع التاريخ أن يتنصل من الذين استباحهم.

وعند هذه النقطة تتضح أهمية النهاية التي يعود فيها الكتاب إلى الخشبة، لأن الكتاب ليس مجرد شيء مادي، وإنما يصبح حاملًا للذاكرة، وفي مقابل الجسد الملقى هناك النص الذي لا يموت، وهذه المفارقة تمنح المسرح قوة لا يمتلكها الواقع المادي وحده، فالإنسان يمكن أن يموت، لكن قصته تستطيع أن تستمر، والجسد يمكن أن يسقط، لكن الصورة التي تركها في ذاكرة الآخرين قد تبقى، ومن هنا تصبح الكتابة نفسها شكلًا من أشكال مقاومة الموت، وهذا يقربنا من بول ريكور الذي ربط بين الذاكرة والسرد والهوية، فالإنسان لا يعرف نفسه فقط من خلال ما حدث له، وإنما من خلال الطريقة التي يحكي بها ما حدث له، وحين نعيد كتابة الحكاية فإننا لا نغير الماضي، لكننا نغير علاقتنا به، وهذا هو بالضبط ما يفعله المسرح، إنه لا يعيد التاريخ كما وقع، وإنما يعيد صياغة علاقتنا بما وقع، إن المسرح في هذه العروض لا ينتصر على المادة بإلغائها، بل يمنحها روحًا، وهذه ربما تكون الخلاصة الأجمل التي يمكن الوصول إليها، فالخشبة نفسها مادة، الخشب مادة، الضوء مادة حين يتحول إلى جهاز، الملابس مادة، الكاميرا مادة، الرحى مادة، النعش مادة، الورق مادة، لكن المسرح قادر على تحويل كل هذه المواد إلى علامات، والعلامة بدورها قادرة على فتح أبواب المعنى، وبذلك لا تصبح الروح عدوًا للمادة وإنما هي قدرتنا على منح المادة معنى يتجاوز وظيفتها، فالرحى تصبح تاريخًا، والنعش يصبح سؤالًا، والملابس تصبح هوية، والسرير يصبح ذاكرة، والكاميرا تصبح سلطة، والكتاب يصبح مقاومة، والجسد يصبح وطنًا صغيرًا تسكنه كل الجروح التي لم تجد مكانًا آخر لتسكن فيه.

ومن هنا يمكن القول إن المخرجين الأربعة، مهما اختلفت درجات نجاحهم في البناء الدرامي، ومهما تفاوتت مستويات التكثيف أو الاقتصاد أو تطور الشخصيات، قد التقوا عند منطقة شديدة الأهمية، هي أن الإنسان لا يمكن أن يُفهم من الخارج فقط، وأن المسرح الذي يكتفي بمظهر الأشياء يظل على سطح التجربة، بينما المسرح الذي يحاول النفاذ إلى ما وراء المظهر يستطيع أن يجعل من الجسد بابًا إلى الروح، ومن الذاكرة بابًا إلى التاريخ، ومن الصورة بابًا إلى السلطة، ومن الاستهلاك بابًا إلى السؤال عن الحرية، ومن الموت بابًا إلى معنى الحياة، ومن الأسطورة بابًا إلى تفكيك الخوف، وهذه هي القيمة الحقيقية للمغامرة التجريبية، لا أن تجعل الخشبة غريبة، وإنما أن تجعل عين المتفرج مختلفة

لقد آن للمسرح العربي أن يتحرر من الاعتقاد بأن المعاصرة تعني دائمًا السرعة، والتكنولوجيا، والشاشات، وتعدد الوسائط، كما آن له أن يتحرر في الوقت نفسه من الاعتقاد بأن الأصالة تعني العودة الحرفية إلى الماضي، فالمعاصرة الحقيقية ليست أن نضع شاشة خلف الممثل، والأصالة الحقيقية ليست أن نضع قناعًا تراثيًا على وجهه، وإنما المعاصرة أن نسأل أسئلة عصرنا بأدوات تستطيع أن تصل إلى جوهر الإنسان، والأصالة أن نفعل ذلك دون أن نفقد علاقتنا بذاكرتنا الثقافية، وفي المسافة بين الاثنين يمكن أن يولد مسرح عربي لا يخجل من ماضيه ولا يستسلم لحاضر الصورة، مسرح يعرف أن التكنولوجيا وسيلة وليست عقيدة، وأن التراث مادة للحوار وليس سجنًا، وأن الجسد ليس سلعة، وأن الصورة ليست حقيقة، وأن الذاكرة ليست قبرًا، وأن الروح ليست هروبًا من الواقع.

وهنا يعود الشرق، ولكن ليس باعتباره جغرافيا مغلقة، وإنما باعتباره سؤالًا عن المعنى، الشرق الذي لا يزال يرى في الحكاية أكثر من حكاية، وفي الموت أكثر من نهاية، وفي الجسد أكثر من جسد، وفي الأشياء أكثر من أشياء، وفي الذاكرة أكثر من ماض، وفي الظلام أكثر من غياب الضوء، هذا الشرق ليس نقيضًا للعالم الحديث، بل يمكنه أن يدخل إليه مسلحًا بأسئلته القديمة، أن يواجه الشاشة بسؤال الحقيقة، ويواجه السوق بسؤال القيمة، ويواجه السلطة بسؤال الحرية، ويواجه الموت بسؤال المعنى، ويواجه الخوف بسؤال المعرفة، وعندها لا يصبح المسرح العربي مجرد مستهلك للجماليات العالمية، وإنما يصبح منتجًا لرؤية إنسانية يمكنها أن تضيف إلى المسرح العالمي شيئًا لا يأتي من التقنية وحدها، بل من خبرة تاريخية طويلة في التعامل مع الفقد والذاكرة والأسطورة والموت والروح، وربما لهذا كله تبدو هذه العروض الأربع، في اختلافها، أشبه بأربع مرايا موضوعة أمام الإنسان العربي، المرآة الأولى تسأله ماذا فعل بك التاريخ، المرآة الثانية تسأله من صنع صورتك، المرآة الثالثة تسأله ماذا بقي من جسدك وسط الحروب والأزمات، والمرآة الرابعة تسأله ماذا تفعل بالخوف الذي ورثته، وفي كل مرآة يبدو الإنسان أقل امتلاكًا لذاته مما يتخيل، لكنه في اللحظة نفسها يكتشف إمكانية استعادتها، فالوعي بالسلطة بداية مقاومة السلطة، والوعي بالصورة بداية التحرر منها، والوعي بالموت بداية اكتشاف قيمة الحياة، والوعي بالخوف بداية الشجاعة، والوعي بالذاكرة بداية القدرة على إعادة كتابة المستقبل.

وهكذا لا تنتهي رحلة «أنت منذ الأمس» عند الأمس، ولا تتوقف «لا موضى» عند الموضة، ولا تقف «الناعشون» عند الموت، ولا تنغلق «غياهب الروح» داخل الظلام، لأن العناوين الأربعة نفسها يمكن أن تُقرأ بوصفها مراحل في سؤال واحد، كيف يستعيد الإنسان نفسه، كيف يصبح الأمس معرفة بدل أن يكون جرحًا، وكيف تصبح الصورة اختيارًا بدل أن تكون قيدًا، وكيف يصبح الموت وعيًا بقيمة الحياة بدل أن يكون مجرد نهاية، وكيف يصبح الروح مجالًا للحرية بدل أن تتحول إلى أداة للخوف، وفي هذه المسافة بين السؤال والإجابة يولد المسرح، لا بوصفه مكانًا للفرجة فقط، وإنما بوصفه مكانًا لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، إن المسرح، في جوهره الأخير، ليس فن الكلام عن الإنسان، وإنما فن وضع الإنسان أمام نفسه، ولهذا فإن أقوى ما يمكن أن يخرج به المتفرج من هذه التجارب ليس إجابة جاهزة، وإنما شعور بالقلق، والقلق هنا ليس عيبًا، إنه العلامة الأولى على أن المسرح نجح في تحريك شيء كان ساكنًا، فالمتفرج الذي يغادر القاعة وهو متأكد من كل شيء ربما لم يرَ المسرح الحقيقي بعد، أما الذي يغادر وهو يعيد النظر في ذاكرته، وفي جسده، وفي صورته، وفي الأشياء التي يشتريها، وفي الخوف الذي يطيعه، وفي السلطة التي يظن أنه اختارها، فهذا المتفرج يكون قد حمل المسرح معه إلى خارج الخشبة، وعندها فقط يصبح العرض تجربة لا تنتهي بانطفاء الضوء.

وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما يمكن أن تقوله هذه التجارب هو أن الإنسان لا يُهزم حين يُنتزع منه الشيء، وإنما حين يُقنع بأن الشيء هو كل ما يملك، لا يُهزم حين يفقد الصورة، وإنما حين يصدق أن الصورة هي حقيقته، ولا يُهزم حين يموت الجسد، وإنما حين يفقد المعنى قبل الموت، ولا تُهزم الذاكرة حين تؤلمنا، وإنما حين تتحول إلى عجز عن صناعة المستقبل، ولا تصبح الروح حرة لمجرد أن الإنسان يتحدث عنها، وإنما عندما يستطيع أن يرفض أن تتحول إلى سلعة أو شعار أو أداة للسيطرة، ومن هنا فإن المسرح العربي التجريبي، في أفضل لحظاته، يستطيع أن يكون أحد الأماكن النادرة التي ما زال فيها الإنسان قادرًا على أن يتوقف عن الاستهلاك وينظر، وعن التحديق في الشاشة وينظر إلى الآخر، وعن تكرار التاريخ ويسأل، وعن الخضوع للخوف ويفكر، وعن البحث عن صورة مثالية ويصغي إلى جسده الحقيقي

وعندما تنطفئ الخشبة في النهاية، لا ينبغي أن يكون آخر ما يبقى منها هو الديكور أو الضوء أو الموسيقى، وإنما ذلك السؤال الذي يستمر في الداخل، هل نحن الذين نملك الأشياء، أم أن الأشياء هي التي تملكنا، هل نحن الذين نصنع صورنا، أم أن الصور تصنعنا، هل نحن الذين نتذكر الماضي، أم أن الماضي هو الذي يعيد إنتاجنا، هل أجسادنا لنا، أم أنها أصبحت آخر أراضي الصراع بين السلطة والسوق والإعلام والخوف، وهل الروح مجرد كلمة قديمة، أم أنها الاسم الذي نطلقه على تلك المساحة التي لم تستطع كل هذه القوى أن تستولي عليها بالكامل، وإذا كان المسرح قادرًا على أن يجعلنا نطرح هذه الأسئلة، فقد يكون قد أنجز مهمته الأعمق، لأنه لا يمنح الإنسان خلاصًا جاهزًا، وإنما يعيد إليه القدرة على البحث عن الخلاص، وهنا، في اللحظة التي يتوقف فيها العرض وتبدأ الحياة من جديد، يمكن أن نفهم لماذا يظل المسرح حيًا رغم كل ما قيل عن موته، لأن الشاشة تستطيع أن تعطينا ملايين الصور، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا جسدًا يقف أمامنا ويتنفس، والسوق يستطيع أن يبيعنا آلاف الأشياء، لكنه لا يستطيع أن يبيعنا معنى وجودنا، والتاريخ يستطيع أن يكرر نفسه، لكنه لا يستطيع أن يمنع الإنسان من إعادة تفسيره، والسلطة تستطيع أن تراقب الجسد، لكنها لا تستطيع أن تضمن ما يحدث داخل الوعي، والخوف يستطيع أن يغلق الأبواب، لكنه لا يستطيع أن يمنع السؤال من الظهور، ولذلك يظل المسرح، في جوهره، مساحة صغيرة ومقاومة ومضيئة، يقف فيها إنسان أمام إنسان، بلا وسيط كامل، بلا شاشة تحميهما من الحقيقة، بلا سلعة تفصل بينهما، بلا تاريخ مغلق، وبلا إجابة نهائية، وفي تلك المواجهة البسيطة، القديمة، والحديثة في آن، تستعيد الروح شيئًا من حقها في الوجود.

لأن المسرح في آخر الأمر لا يقول لنا إن المادة بلا قيمة، وإنما يقول شيئًا أكثر عمقًا، إن المادة وحدها لا تكفي، ولا الصورة وحدها تكفي، ولا الذاكرة وحدها تكفي، ولا السلطة وحدها تستطيع تفسير الإنسان، فالإنسان هو الكائن الذي يستطيع أن يحول الجسد إلى لغة، والذاكرة إلى معرفة، والصورة إلى سؤال، والموت إلى معنى، والأسطورة إلى وعي، والمادة إلى جمال، والخوف إلى مقاومة، وحين يفعل ذلك يصبح المسرح أكثر من فن، يصبح فعلًا من أفعال استرداد الإنسان لنفسه، وهذه ربما هي الفكرة التي تجمع التجارب الأربع في جوهر واحد، أن الإنسان، مهما حاصرته الأشياء، يظل قادرًا على أن يمنحها معنى، ومهما حاولت السلطة أن تكتب ذاكرته، يظل قادرًا على إعادة قراءتها، ومهما حاول السوق أن يمتلك جسده، يظل قادرًا على استعادته، ومهما حاولت الصورة أن تحل محل وجوده، يظل قادرًا على أن يقف حيًا أمامها، ومهما اشتد الظلام حول روحه، يظل السؤال قادرًا على إشعال أول ضوء، وهكذا ينتهي المسرح، لكن لا تنتهي الحكاية، لأن آخر ما يتركه لنا ليس صورة نهائية، بل إنسانًا خرج من القاعة وهو أقل يقينًا وأكثر وعيًا، أقل استهلاكًا وأكثر سؤالًا، أقل انبهارًا بالصورة وأكثر انتباهًا إلى ما وراءها، أقل خضوعًا للماضي وأكثر قدرة على فهمه، أقل خوفًا من الموت وأكثر إدراكًا لقيمة الحياة، وربما في هذه المسافة تحديدًا، بين ما نراه وما لا نراه، بين الجسد والروح، بين المادة والمعنى، بين الأمس والغد، بين السلطة والحرية، يكمن سر المسرح العربي الذي لا يريد أن يكون مجرد مرآة لزمنه، وإنما يريد أن يكون اليد التي تمسح عن المرآة الغبار، لكي يرى الإنسان وجهه الحقيقي مرة أخرى.