في محاولة جادة لاستعادة واحد من أكثر النصوص إشكالية في الأدب الأردني، قدّم المخرج د. عبد السلام قبيلات على خشبة مسرح الشمس عرضه “أنت منذ الأمس” المأخوذ عن رواية ” أنت منذ اليوم” للأديب الراحل تيسير سبول، تحت وطأة سؤالٍ ظلّ يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى؛ هل نحن أمام استعادةٍ إبداعية لنصٍّ حي، أم إعادة عرضٍ لنصٍّ مأزوم دون مساءلة كافية لراهنيته؟

نص سبول ليس مجرد حكاية؛ بل صرخة جيل خرج من هزيمة حزيران محمّلًا بأسئلة الانكسار والهوية والجدوى، وهو نص يقوم في جوهره على صوت داخلي متشظٍ، أقرب إلى الاعتراف القاسي منه إلى السرد التقليدي، لذلك، فإن نقله إلى المسرح لا يُعد مهمة تقنية فحسب، بل اختبارًا لقدرة العرض على تحويل “الداخل” إلى فعلٍ مرئي، من دون أن يفقد توتره أو يُفرغ من مضمونه.

في هذا السياق، يُسجَّل للدكتور عبد السلام قبيلات أنه حافظ على كثافة النص الأصلية، ولم ينزلق إلى تبسيطه أو تحويله إلى خطاب مباشر أقرب إلى الإلقاء، بل وازن بوعي بين ثقل النص وحيوية الفعل المسرحي، فحافظ على   أهم عناصره؛ القلق العميق والتناقضات النفسية الداخلية لشخوص الرواية.

غير أن أهمية العمل لا تقف عند حدود المعالجة النصية، بل تمتد إلى الرؤية الإخراجية، فالنص الذي كُتب في سياق هزيمة تاريخية، قرأه عبد السلام بوصفه حالة مستمرة لا حدثًا منتهيًا، لم يحبسه في زمنه، بل أعاد ربطه بالراهن، ليقول بوضوح إن الهزيمة لا يزال يُعاد إنتاجها على خشبة الحياة بأشكال مختلفة، هذا الخيار منح العمل قوة إضافية، وحوّله في لحظات عديدة إلى مساءلة حادة للحاضر، لا مجرد استذكارٍ للماضي.

من ناحية أخرى، تمّ استخدام عناصر بصرية ذات طابع رمزي؛ قبور، جدران، فراغات، ظلال، وفضاءات مغلقة، إلى جانب إشارات إلى العطب والانهيار، كالجسر المهدوم، هذه العناصر جاءت، في معظمها، منسجمة مع الفعل الدرامي، لا زائدة عنه، لتؤدي وظيفة دلالية واضحة، هنا لم تكن الرمزية زينة بصرية، بل أداة تفكير تعمّق المعنى وتكثّف الإحساس بالاختناق والاغتراب.

الإخراج، بدوره، لم يكتفِ بتقديم النص، بل قدّم قراءةً خاصة للنص، فقد ركّز على الجسد المنكسر والفضاء المحاصر، سواء بسلطة الأب أو السلطة السياسية أو ثقل الهزيمة ذاتها، هذه الاشتغالات البصرية عزّزت الإحساس بالضيق، وسحبت الفرجة من واقع الاطمئنان إلى دوائر الشك والقلق، وهو ما منح العرض بعدًا ملموسًا يتجاوز اللغة.

في المقابل، سجّل الأداء التمثيلي حضورًا قويًا ومتوازنًا، فقد نجح الممثلون؛ حياة جابر، طارق التميمي، بكر الزعبي، ثامر الخوالدة، في نقل التوتر الداخلي للشخصيات دون الوقوع في فخ الخطابية أو المبالغة، وتعمّد المخرج اقتصادًا دقيقًا ومدروسًا في التعبير، حيث بدا الصمت في كثير من اللحظات أبلغ من الكلام، والتكرار أعمق من مجرد إعادة للكلام، والاحتجاج أكثر قدرة على إيصال عمق الأزمة.

ولا يمكن تجاهل أن العمل يطرح سؤالًا جوهريًا؛ ماذا تبقّى من هزيمة الأمس في حاضرنا؟ وهل تغيّرت الشروط التي أنتجتها، أم أننا ما زلنا نعيش داخلها بأشكال جديدة؟ هنا تكمن قيمة العرض؛ لا في تقديم إجابات نهائية، بل في إبقاء الأسئلة مفتوحة، وفي إعادة فتح جرحٍ لم يلتئم.

إن “أنت منذ الأمس” تقف على تخوم معادلة صعبة، بين الوفاء لنص تيسير سبول، والجرأة في تجاوزه، بين استعادة الماضي وإعادة تأويله، وقد نجح العرض في ملامسة هذه المعادلة بعمق، وذهب بها إلى حدٍّ بعيد، ليعيد إنتاج النص بلغة مسرحية حية، دون أن يفقده روحه القلقة.

في المحصلة، نحن أمام تجربة تستحق التوقف عندها، لا لأنها قدّمت أجوبة حاسمة، بل لأنها تذكّرنا بأن الهزيمة ليست حدثًا عابرًا، بل بنية قابلة للتكرار، وأن ما لم يُحسم في الأمس، ما يزال يُعاد إنتاجه اليوم، وهنا، لا يكتفي المسرح باستعادة النصوص، بل يضعنا أمام أسئلةٍ لا تحتمل التأجيل… ولا المواربة.

 

رابط المقال: انت منذ الامس.. تحويل “الداخل” الى فعل مرئي – الجماهير